السيد محمد تقي المدرسي
71
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة)
قال : ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً . ( الكهف / 65 ) وقال : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . ( يوسف / 76 ) وانه يدعو عباده لطلب المزيد من العلم منه وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ( طه / 114 ) وانه عز وجل هو الذي وهب العلم بالقدر الذي يشاء وَمَآ اوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ( الاسراء / 85 ) . فلو تدبّرنا لفظة اوتِيتُم في الآية الشريفة ووقفنا على معناها ، نجد ان العلم ليس شيئاً من الانسان ، بل هو مضاف إليه ، موهوب له من قبل الله تعالى . ففي اللغة ( أتاه ، آتاه ، يؤتيه وأوتي الشيء اي أعطي له ) وهذا يعني ان الله سبحانه هو الذي أعطى العلم ، لكن حكمته شاءت ان يعطى الانسان قليلا من العلم ، وشاءت ايضاً ان يسلب من الانسان تلك العطية متى أراد الله العزيز العليم . وهنا يبرز سؤال يقول ؛ هل يستطيع الانسان ان يزعم بعد هذا انه بمرور الزمن يزداد علماً فيصبح اعلم فاعلم ؟ لعل ذلك تصور خاطيء ايضاً ؛ إذ الانسان يفقد علمه حين ينام وحين ينسى وحين يغضب ، والله سبحانه وتعالى يقول : وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ . ( يس / 68 ( فإرادة الله سبحانه ان يجري قدرا يفقد الانسان علمه ، وهذا هو امر وجداني يرتبط بفطرة الانسان ووجدانه ولاتستوعبه الأقوال والأمثلة ، بل موضع استيعابه هو العودة إلى الفطرة الانسانية . فالانسان حينما يعلم شيئا كان يجهله من قبل ، لابد له ان يسأل نفسه عن كيفية علمه به ، وان يستنطق وجدانه عن ماهية هذا النور الذي كشف له عن المجهول . من خصائص العلم : ألا يمكن ان يعلم العلم بالعلم ؟ سؤال ربما يتبادر إلى ذهن البعض . وذلك لأننا أسلفنا ان العلم منزّه عن الإحاطة ، لأنه هو الذي يضيء وهو الذي يكشف ، فهل